سمعت نسمة تقول: "احنا هنعدي على ابن خالتي كمان شوية!"
الحقيقة أنني لم أكن أعلم الكثير عن نسمة، فقد تعرفت عليها من خلال فؤاد في أيام الثورة الأولى ولا أعلم حتى كيف تعرف هو عليها، ووجدت أربعتنا نقضي معظم أوقاتنا داخل التحرير وخارجه سوياً وجذبنتني حالة التوهج شيه الدائمة التي كانت سمتها، فكانت نسمة تمثل لي النقيض للجو العام والذي يخفف على المرء من وطأة أوقات صعبة، ثم تجعلها أكثر صعوبة في غيابها بعد أن تعتاد عليها.
لم أكن أعلم من هو ابن خالتها ولماذا سنمر عليه، وكانت لبنى تعلم ذلك فتطوعت بأن تشرح: "ابن خالة نسمة ضابط شرطة عسكرية هنعدي على لجنته دلوقتي."
رأيت اللجنة التي تم نصبها بعد شارع الطيران مباشرة فانتابني شعور بالسأم...لم أكن في مزاج اجتماعي يسمح لي بالتعرف على أحد، فبينما قمت بتهدئة السرعة قررت ألا أغادر السيارة. رأيت ضابطاً شاباً من الشرطة العسكرية يقترب من السيارة، فأسرعت نسمة بالترجل ومعها لبنى بينما بقى فؤاد في مكانه، ثم سمعت حديث مفعم بعبارات الترحيب والتعارف يدور بين نسمة وقريبها ولبنى فأغلقت عيني لأغرق في عالمي، ولم تمر ثواني حتى سمعت صوت رجولي قوي يقول "مساء الخير يا شباب."
قتحت عيني بصعوبة وكأنني أصحو من غيبوبة عميقة... نظرت إلى خارج نافذة فؤاد فرأيت شاباً يجسد كل المفاهيم المكونة في عقلي مسبقاً عن هيئة ضابط الجيش لا يميزه إلا بعض اللمسات من اللون الأحمر الخاص بالشرطة العسكرية. سمعت فؤاد يرد التحية فاعتبرته قد رد بالنيابة عن كلينا فرحت أحدق في زجاجة معطر السيارة الصغيرة المتدلية من المرآه الأمامية، منبهراً بتأثير الضوء الخافت على اللون القرمزي للسائل داخل الزجاجة والذي بدا كالدم، ثم تدفقت لعقلي مشاهد من يوم الثامن والعشرين من يناير.
"حاسبوا يا جماعة حاسبوا"
"ماله عملوا فيه ايه؟"
"رصاصة مطاط... الولد بيموت... شوفلنا دكتور.. حسبي الله ونعم الوكيل"
"الشعب.. يريد... اسقاط النظام!"
"حسبي الله ونعم الوكيل"
"الواد مات!"
لم أفق إلا مع صوت غلق باب السيارة، ودون كلمة أدرت المحرك وانتلقت.
"انت مالك النهاردة؟"
كانت لبنى تحدث فؤاد فرد عليها بالرد المعبر ذاته "مفيش".
سمعت لبنى تقول لنفسها "مفيش.. زي كل يوم". كان صوتها ينم عن تعاسة شديدة، وعلى الأرجح فإن فؤاد سمعها واختار ألا يرد، وإنما ظل غارقاً في أفكاره. تركت فؤاد في عالمه وعدت لعالمي. كنا نمر بجوار منطقة ألماظة فتذكرت طليقتي وعائلتها... لقد مر عامان منذ الطلاق وعام ونصف منذ رأيتها آخر مرة، وقد كانت هذه أول مرة أتذكرها منذ شهور، وقد بدت وكأنها هي الأخرى جزء من عالم بعيد هو أقرب إلى فيلم سينمائي شاهدته منذ زمن من حياة كنت أحياها وخبرتها بنفسي. كان الهدوء يسود المقعد الخلفي الآن، وبدا لي أننا نجحنا أنا وفؤاد في القضاء على البهجة تماماً داخل السيارة...كانت إذن بهجة مصطنعة ولا تستحق أن نحافظ عليها.
غلف الصمت السيارة حتى وصلنا إلى المطار، وبينما سلكت الطرق المعقدة داخل المطار إلى صالة السفر 2، قرر فؤاد أن يتحدث أخيراً فقال "هو في حد فاتح بيبيع أكل هنا دلوقتي؟"
ضحك ثلاثتنا بدون سبب واضح فقطب فؤاد حاجبيه في غضب وعاد للسكوت، ولم تمر لحظات حتى توقفت بالسيارة أمام صالة السفر.
"ممنوع هنا يا باشا"
قالها أمين الشرطة وهو مقبل علينا بادي الأمل في بقشيش يسمح له بغض البصر عن وقوف السيارة في الممنوع.
"عارف...هنزل الهانم وأروح أركن"
"خليك براحتك يا باشا...أنا مقلتش حاجة... كل سنة وانت طيب يا باشا."
"وانت طيب يا سيدي". قلتها والتفت للمجموعة التي كانت قدر ترجلت "هاروح أركن وأقابلكم فوق"
