الجمعة، ٦ يناير، ٢٠١٢

القطة السوداء - الجزء الثاني

سمعت نسمة تقول: "احنا هنعدي على ابن خالتي كمان شوية!"

الحقيقة أنني لم أكن أعلم الكثير عن نسمة، فقد تعرفت عليها من خلال فؤاد في أيام الثورة الأولى ولا أعلم حتى كيف تعرف هو عليها، ووجدت أربعتنا نقضي معظم أوقاتنا داخل التحرير وخارجه سوياً وجذبنتني حالة التوهج شيه الدائمة التي كانت سمتها، فكانت نسمة تمثل لي النقيض للجو العام والذي يخفف على المرء من وطأة أوقات صعبة، ثم تجعلها أكثر صعوبة في غيابها بعد أن تعتاد عليها.

لم أكن أعلم من هو ابن خالتها ولماذا سنمر عليه، وكانت لبنى تعلم ذلك فتطوعت بأن تشرح: "ابن خالة نسمة ضابط شرطة عسكرية هنعدي على لجنته دلوقتي."

رأيت اللجنة التي تم نصبها بعد شارع الطيران مباشرة فانتابني شعور بالسأم...لم أكن في مزاج اجتماعي يسمح لي بالتعرف على أحد، فبينما قمت بتهدئة السرعة قررت ألا أغادر السيارة. رأيت ضابطاً شاباً من الشرطة العسكرية يقترب من السيارة، فأسرعت نسمة بالترجل ومعها لبنى بينما بقى فؤاد في مكانه، ثم سمعت حديث مفعم بعبارات الترحيب والتعارف يدور بين نسمة وقريبها ولبنى فأغلقت عيني لأغرق في عالمي، ولم تمر ثواني حتى سمعت صوت رجولي قوي يقول "مساء الخير يا شباب."

قتحت عيني بصعوبة وكأنني أصحو من غيبوبة عميقة... نظرت إلى خارج نافذة فؤاد فرأيت شاباً يجسد كل المفاهيم المكونة في عقلي مسبقاً عن هيئة ضابط الجيش لا يميزه إلا بعض اللمسات من اللون الأحمر الخاص بالشرطة العسكرية. سمعت فؤاد يرد التحية فاعتبرته قد رد بالنيابة عن كلينا فرحت أحدق في زجاجة معطر السيارة الصغيرة المتدلية من المرآه الأمامية، منبهراً بتأثير الضوء الخافت على اللون القرمزي للسائل داخل الزجاجة والذي بدا كالدم، ثم تدفقت لعقلي مشاهد من يوم الثامن والعشرين من يناير.

"حاسبوا يا جماعة حاسبوا"

"ماله عملوا فيه ايه؟"

"رصاصة مطاط... الولد بيموت... شوفلنا دكتور.. حسبي الله ونعم الوكيل"

"الشعب.. يريد... اسقاط النظام!"

"حسبي الله ونعم الوكيل"

"الواد مات!"

لم أفق إلا مع صوت غلق باب السيارة، ودون كلمة أدرت المحرك وانتلقت.

"انت مالك النهاردة؟"

كانت لبنى تحدث فؤاد فرد عليها بالرد المعبر ذاته "مفيش".

سمعت لبنى تقول لنفسها "مفيش.. زي كل يوم". كان صوتها ينم عن تعاسة شديدة، وعلى الأرجح فإن فؤاد سمعها واختار ألا يرد، وإنما ظل غارقاً في أفكاره. تركت فؤاد في عالمه وعدت لعالمي. كنا نمر بجوار منطقة ألماظة فتذكرت طليقتي وعائلتها... لقد مر عامان منذ الطلاق وعام ونصف منذ رأيتها آخر مرة، وقد كانت هذه أول مرة أتذكرها منذ شهور، وقد بدت وكأنها هي الأخرى جزء من عالم بعيد هو أقرب إلى فيلم سينمائي شاهدته منذ زمن من حياة كنت أحياها وخبرتها بنفسي. كان الهدوء يسود المقعد الخلفي الآن، وبدا لي أننا نجحنا أنا وفؤاد في القضاء على البهجة تماماً داخل السيارة...كانت إذن بهجة مصطنعة ولا تستحق أن نحافظ عليها.

غلف الصمت السيارة حتى وصلنا إلى المطار، وبينما سلكت الطرق المعقدة داخل المطار إلى صالة السفر 2، قرر فؤاد أن يتحدث أخيراً فقال "هو في حد فاتح بيبيع أكل هنا دلوقتي؟"

ضحك ثلاثتنا بدون سبب واضح فقطب فؤاد حاجبيه في غضب وعاد للسكوت، ولم تمر لحظات حتى توقفت بالسيارة أمام صالة السفر.

"ممنوع هنا يا باشا"

قالها أمين الشرطة وهو مقبل علينا بادي الأمل في بقشيش يسمح له بغض البصر عن وقوف السيارة في الممنوع.

"عارف...هنزل الهانم وأروح أركن"

"خليك براحتك يا باشا...أنا مقلتش حاجة... كل سنة وانت طيب يا باشا."

"وانت طيب يا سيدي". قلتها والتفت للمجموعة التي كانت قدر ترجلت "هاروح أركن وأقابلكم فوق"

السبت، ٢٤ ديسمبر، ٢٠١١

ترقبوا أولى أعمالنا - "القطة السوداء"

أهلاً بكم جميعاً في مدونتنا... نافذتنا التي من خلالها سيتعرف القراء عن كل ما هو جديد من مصطبة... كما نأمل أن نستمع لآرائكم في أعمالنا المقبلة وأن نتعرف من خلال هذه المدونة على مواهب شابة جديدة لنتيح لها فرصة النشر!

أولى أعمالنا ستكون مجموعة قصصية مرتبطة بالثورة والحالة الثورية بإسم "القطة السوداء" يكتبها عدد من الأقلام الشابة غير المعروفة، ولازلنا نستطيع قبول أعمال لتنشر مع هذه المجموعة القصصية، فإذا كانت لديكم أية اسهامات سوف يسعدنا أن نأخذها في الاعتبار، وكنوع من التعريف بالكتاب سوف ننشر تباعاً على المدونة جزء من المسودة الأولى لقصة "القطة السوداء" ولذا نعتذر عن أية أخطاء لغوية بالمسودة التي سيتم نشرها وهي أخطاء سوف يتم تصحيحها قبل طباعة الكتاب.

والآن إلى الجزء الأول من قصة "القطة السوداء"...

القطة السوداء - الجزء الأول:

كنت أشعر أنها ليلة عادية...

بالطبع لم تعد الليالي عادية بشكل عام... مئات الآلاف من المعتصمين بميدان التحرير ينادون بتنحي الرئيس، الجيش منتشر على مفترقات الطرق بعد حظر التجوال يوقف كل السيارات ويتفحص راكبيها، العائلات في البيوت يبحثون على أي شكل من أشكال الأمان فلا يجدونه سوى في صبية أكثرهم قد سعد بتقمص دور الشرطي فأجادوا الآداء.

في تلك الأجواء غير العادية بدت الليلة عادية جداً، مجرد ليلة أخرى من ليالي الثورة، حيث توقفت الحياة التي أعرفها وتم استبدالها بالتحرير: ثوار وأخبار وأصدقاء وزحام وهتاف وقلق وترقب ثم المزيد من الترقب، وكأن الحياة تـأبى أن تستمر قبل أن ينطق الرئيس بالكلمات التي ينتظرها الملايين، وقد وجدت نفسي وقد اعتدت هذه الحياة الجديدة سريعاً أنا الذي ينزعج من النوم في غير فراشي، وقد بدت حياتي الأخرى قبل الثورة كحلم بعيد أتوق إليه أحياناً وأتمنى ألا يعود أبداً أحيانٍ أخرى، ومع يقيني بأن تلك الحياة عائدة لا محالة كان يعتريني القلق من قدرتي على العودة لروتين يشعرك بالأمان ويملؤك بالسأم والضجر، وكحل مؤقت قمت بتبني حياة الثورة واعتبرتها هي الحياة العادية.

وبينما كانت السيارة تسلك الطريق متجهة إلى مطار القاهرة الدولي، لم يمنعني القلق والترقب المصاحب لحياة الثورة من الشعور بنشوة استنشاق القاهرة في الثانية صباحاً حين تختفي الطاقة السلبية التي تثقل من مسيرة الحياة أثناء ساعات النهار، ولوهلة بدت الحياة كسابق عهدها، وأصبح ميدان التحرير بعيد وكأنه في قارة أخرى، ولم يتبقى في الحياة سوى كوبري 6 أكتوبر الخالي تقريباً من السيارات تحرسه عواميد الإضاءة العالية ذات الضوء البرتقالي وتزينه اللافتات الدعائية مثل تلك التي تحثنا فيها ممثلة ما على شراء تلك السمنة لأنها مثل البلدي، كما تبقى لنا أيضاً الكثير من هواء شتاء القاهرة يتسرب إلينا من خلال نوافذ السيارة شبه المغلقة يداعب وجوهنا فنغلق عيوننا وتكسونا ابتسامات راضية، وبالرغم من أني كنت أقود السيارة، فقد كنت أختلس اللحظات من آن لآخر لأغلق عيني فأشعر بتلك النشوة.

كانت "نسمة" – تلك المخلوق الجميل المفعم بالبهجة دائماً - كانت ستعود لزوجها اللبناني بأبو ظبي بعد أن قضت بضع أيام في مصر تشهد ثورتها وتشارك فيها، وقد جلست نسمة خلفي فلم أستطع أن أرى وجهها وإن كنت أستمع لحديثها الضاحك مع "لبنى" التي كانت تجلس إلى جوارها، بينما جلس صديقي "فؤاد" زوج لبنى إلى جواري. لم تكن لدي الرغبة في المشاركة في الحديث وأردت الاكتفاء بالاستماع والابتسام من آن لأخر، بينما ظل فؤاد يراقب الطريق أمامنا بوجه يخلو من التعبير وإن كان يوحي بتفكير عميق.

وبصوت منخفض سألت فؤاد دون أن أنظر إليه "مالك؟"

مرت بضح لحظات دون أن يرد، وقد بدا وكأنه لم يسمعني وظل يراقب الطريق وأنا أقود السيارة نزولاَ إلى شارع صلاح سالم من كوبري أكتوبر، وبينما كانت السيارة تمر من جانب مبنى وزارة التنمية الإدارية – والذي تحول إلى مدينة أشباح بعد أن سقطت تلك الحقيبة الوزارية من تشكيل الحكومة الجديد – بينما كانت تمر السيارة إلى جانبه سمعت فؤاد يرد قائلاً "مفيش".

كنت أعلم أن "مفيش" لا تعبر عن الحقيقة، ولكني قدرت أن فؤاد سوف يتحدث عما يجول بخاطره فقط عندما يريد، كما أن صداقتنا العميقة سمحت لي بأن أكون فكرة عما يجول بخاطره، فقد كان فؤاد يستعد للسفر إلى الولايات المتحدة للدراسة بإحدى جامعاتها الكبرى في مجال من مجالات العلوم الإنسانية، ولأن طبيعة فؤاد لا تختلف عني كثيراً في التعامل مع المواقف الجديدة سريعة التغير، فقد كان يشعر بالقلق من تجربة السفر والمعيشة ببلد لم يزرها من قبل، كما أن الأحداث الراهنة أثرت على فؤاد بشكل خاص، فبينما كنا نشعر جميعاً بحالة الاستنفار النفسي ذاتها، فقد كانت الأحداث المتلاحقة بمثابة مادة دراسية ثرية لأي دارس في علوم الإنسان، ومثل الكثير من زملائه فقد كان فؤاد يبحث عن حجر الزاوية الخاص به والذي يستطيع من خلاله أن يكون منظوره الخاص للأحداث ويتشربها بمذاقه الخاص... كان ببساطة يبحث عن ذاته في زخم الأحداث.